سورة آل عمران ـ الدرس الرابع


سورة آل عمران ـ الدرس الرابع

سلسلة سورة آل عمران (4 - 4)
دروس من هدي القرآن الكريم

الدرس الرابع
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}
ألقاها السيد/ حسين بدر الدين الحوثي
بتاريخ: 12/1/2002م
اليمن - صعدة

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين.
يقول الله سبحانه وتعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} (آل عمران:110-112). صدق الله العظيم
من قول الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}(آل عمران: من الآية110) نفهم من هذا ما هو أسلوب القرآن الكريم في جلب كل ما يمكن أن يكون مساعداً للناس أن ينطلقوا، وفي القيام بما يريد الله سبحانه وتعالى أن يقوموا به، كما يذكِّر باستشعار المسؤولية الكبيرة على المسلمين، بدءاً من أولئك المسلمين الذين كانوا في أيام الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله)، يذكِّرنا كما ذكرهم سابقاً بتلك المسؤولية الكبيرة، بأن عليهم مسؤولية كبيرة هي: أنهم أخرجوا للناس، أخرجت للناس، أي: أظهرت لإصلاح الناس، لرد الناس إلى دين الله، لرفع الظلم عن الناس، لتعميم هذه الرسالة العظيمة في أوساط البشرية جميعاً.
مسؤولية كبيرة جداً، وهي في نفس الوقت تذكير بنعمة عظيمة هي: أنهم اختيروا، اختيروا أن تناط بهم هذه المسؤولية الكبيرة، فمن يعرفون قيمة الوسام الذي قلدهم الله سبحانه وتعالى به، وسام شرف عظيم، أن يكونوا هم المؤهلين لأن يحملوا هذه الرسالة؛ ليلتفوا حول راية هذه الرسالة، فيتحركون في أوساط الأمة، لإصلاح العباد، وتطهير الأرض من الفساد، ليحوزوا شرف السبق، شرف أن تصلح الأمة على أيديهم، وأن تُطَّهر من فساد المضلين على أيديهم.
أليس هذا شرف عظيم، ونعمة كبرى؟ مسؤولية كبرى، ونعمة كبرى، وشرف عظيم، يدفع، يدفع من يرى لهذا قيمته الكبيرة، يدفعه إلى أن ينطلق فعلاً، يدفع هذه الأمة إلى أن تنطلق فعلاً في ميدان العمل، وفق ما هداها الله سبحانه وتعالى إليه، في مجاهدة أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، من يشكلون أعظم خطر على البشرية؛ لأنهم كما قال الله عنهم: {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً}(المائدة: من الآية64).
فنرى كيف اجتمعت عملية الدفع بالناس، الدفع بالمسلمين، بالعرب، بأهل البيت، وتجد المسؤولية أيضاً على درجات الأولوية داخل هذه الأمة، العرب يتحملون مسؤولية كبيرة أعظم من غيرهم، أهل البيت وشيعتهم يتحملون مسؤولية كبيرة أعظم من غيرهم، أهل البيت بالذات يتحملون مسؤولية كبيرة أعظم من غيرهم.
حينما نتأمل نجد من خلال هذه الآيات ثلاثة عوامل مهمة للدفع بالناس إلى أن ينطلقوا، إلى أن يهتموا بالقضية، في البداية: ذكَّر بخطورة القضية، الخطورة البالغة، التي تصل بالناس إلى درجة أن يكفروا، أن يكفروا بالله وبرسوله من حيث لا يشعرون.
الشيء الثاني: خطورة إذا لم يعملوا على تأهيل أنفسهم؛ ليكونوا بمستوى المواجهة، الخطورة البالغة، بالعذاب العظيم، عندما قال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران:105).
الدافع الثالث: تذكير الله لنا بأنه هو سيهيئ الأجواء التي يمكن أن تفتح انفراجات كبيرة أمام العاملين في سبيله، في هذا الميدان، كما يقول: {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} (آل عمران:108- 109).
العامل الرابع: التذكير بالنعمة والمسؤولية الكبرى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}(آل عمران: من الآية110) أليس هذا وسام شرف عظيم جداً؟ أنتم من أنيط بكم حمل هذه الرسالة، إن تتحركوا فعلى أيديكم تطهر الأرض من فساد من يسعون في الأرض فساداً، وعلى أيديكم يتم إعلاء كلمة الله، على أيديكم يكون إصلاح عباد الله. فضيلة السبق فضيلة عظيمة.
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} مقارنة بالأمم الأخرى، في ذلك العصر، وفي هذا العصر، مسؤوليتكم تتمثل في هذا، الاصطفاء لا يأتي لمجرد الاصطفاء إنما يناط به مسؤولية كبرى، الاختيار لا يكون لمجرد الاختيار، إنما يناط به مسؤولية كبرى، مسؤوليتكم هي: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}(آل عمران: من الآية110) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو إطار واسع، يشمل العمل في كل مجالات الحياة، في سبيل إعلاء كلمة الله، وتطهير الأرض من الفساد والمفسدين.
{وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} فحينما فرط أهل الكتاب أنفسهم، حينما لم يعودوا بمستوى المسؤولية التي أنيطت بهم، على طول التاريخ، عندما جاء رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، وهم من كانوا ينتظرون أن يجاهدوا بين يديه، وكانوا من قبل يذكِّرون الكافرين، ويستفتحون به على الكافرين، أنه سيأتي نبي يبعث، وسنقاتلكم تحت رايته.
يذكِّر كيف يجب أن يكون من تناط به المسؤولية، كيف يجب أن يكون من تناط به المسؤولية. عندما تخلى أهل الكتاب، عندما أصبحوا غير جديرين بتحمل المسؤولية، عندما أصبح أكثرهم فاسقين، وكان المؤمنون فيهم قليل، أختار الله سبحانه وتعالى هؤلاء، اختار العرب أن يكونوا هم من يقومون بحمل الرسالة تحت راية رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}.
ويذكِّر بأن حمل الرسالة هو شرف عظيم، أن أولئك الذين لم يكونوا بمستوى الأمانة التي قُلِدوها في آخر أيامهم، وهم أهل الكتاب {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ} أنتم اخترتم تقومون بالمهمة تحت راية محمد (صلوات الله عليه وعلى آله)، أهل الكتاب أنفسهم لو استشعروا عظم المسؤولية لعرفوا أن المسألة هي على هذا النحو: أنه متى اختار الله نبياً من أنبيائه، فليكن من هنا، أو من هنا، فالأمر إليه، ولهم الشرف العظيم بأن يقاتلوا تحت راية هذا النبي، حتى وإن لم يكن من بني إسرائيل؛ لأنهم غضبوا جداً عندما لم يأت النبي من بني إسرائيل، وقالوا: لماذا يأتي من بني إسماعيل؟! الله هو الذي يقول: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}(الأنعام: من الآية124).
والمجال لا يزال أيضاً أمامهم مفتوحاً {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ} خيراً لهم؛ لأنهم هم من يفترض فيهم أن يكونوا من أول من يؤمن بمحمد (صلوات الله عليه وعلى آله)، وهم كانوا من تجمع نحو المدينة؛ لما يعرفون من أنها ستكون مهاجر النبي الذي سيبعث في آخر الزمان، فتجمعوا تجمعات كبيرة حول المدينة المنورة وداخلها.
{وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}(البقرة: من الآية41) لا تكونوا أول كافر به، أنتم يا بني إسرائيل، لا يليق بكم أن تكونوا أنتم أول من يكفر بهذا الدين، وبمحمد، وبالقرآن، وأنتم من تعرفون الرسالات، وتعرفون الكتب السماوية، وتعرفون حاجة الأمم الماسة إلى الهداية من قبل الله، كما قال هنا، في مطلع هذه الآيات في أولها: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ}(آل عمران: من الآية99) وأنتم شهداء، وهو دوركم في الحياة: أنكم اخترتم، وفضلتم على العالمين؛ لتكونوا أنتم من تحملون لواء الرسالات، وأنتم من تكونون شهداء على الأمم، شهداء على الناس.
لكنهم لما تخلوا عن المسؤولية، لما لم يكونوا بمستوى المسؤولية في آخر أيامهم، وإن لم يكن المجموع، كما سيأتي الاستثناء فيما بعد، ولكن عندما يغلب، عندما يكون الغالب هم الفاسقون، عندما يقصِّر، ويفرط المؤمنون، فتبقى الغلبة للفاسقين، يصبح المجموع، من حيث المجموع غير جدير بتحمل المسؤولية، وبالتالي يكون معرضاً للاستبدال، بأن يستبدل به غيره.
هم فضلوا، ونعم كثيرة أعطاهم الله سبحانه وتعالى، وفضلهم بها على العالمين، ولكنهم عندما قصروا، عندما فرطوا، عندما توانوا، عندما أصبح الكثير منهم فاسقون، كما قال الله: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}(آل عمران: من الآية110) أصبحوا في وضعية تؤهل غيرهم أن يستبدلوا عنهم.
ومع ذلك ما يزال المجال أمامهم مفتوحاً، فلوا آمنوا لكان خيراً لهم، ولو آمنوا لكان خيراً لهم، ولكانوا على ما كانوا عليه من قبل، يسيرون تحت لواء محمد (صلوات الله عليه وعلى آله) كما ساروا تحت لواء موسى وعيسى وغيرهم من أنبياء الله، من بني إسرائيل.
نفس المسالة بالنسبة للعرب أنفسهم، بالنسبة لأهل البيت أنفسهم، عندما يفرطون، عندما يتوانون، عندما يقصرون، فيكون المظهر العام، المظهر العام هو: التفريط، هو التقصير، هو الضلال، هو الفسق، يتعرضون لما تعرض له بنوا إسرائيل من الاستبدال، فهذه سنة إلهية، يتعرض العرب لما تعرض له بنوا إسرائيل من الاستبدال، ويكونون جديرين بأن تضرب عليهم الذلة والمسكنة، وأن يبوءوا بغضب من الله، كما ضربت على بني إسرائيل، لأن القضية واحدة، كما كان بنوا إسرائيل هم خير أمة أخرجت للناس في تاريخهم الطويل، كذلك العرب {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} وهذه هي مسؤوليتكم {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}.
فالتذكير بالمسئولية، هو يذكر أيضاً بخطورة التفريط فيها، ولا شيء أعظم من التفريط في المسئولية، في قضية كبرى كهذه؛ لأنه تفريط في السبق، تفريط في فضيلة عظيمة، في شرف عظيم، تفريط في البشرية كلها، لو تحرك العرب، واستقاموا على الطريقة، وتمسكوا بالثقلين، كما أمرهم رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) لكانوا هم من تصلح البشرية على أيديهم.
عندما فرطوا قدموا الإسلام بطريقة غير مقبولة، وبشكل مهزوز، ضربوا جاذبيته في أعين الناس، وفي قلوب العالمين، فأصبح لا يشد أحداً إليه. عندما فرطوا هم فرطوا في البشرية كلها، وأصبح معظم سكان الأرض لا يدينون بهذا الدين، أصبحوا هم - عندما فرطوا - أمة في هذا الزمن، هذا الزمن الذي توفرت فيه كل عوامل القوة، وأخرجت الأرض خيراتها من باطنها وظاهرها بشكل ربما لم يسبق له مثيل في تاريخ هذا العالم بكله، يظهرون أمة مستضعفة، أمة جاهلة، أمة مشتتة، أمة لا تستطيع أن تفك عن نفسها ربق الذلة، تستجدي هذا، وتستجدي هذا أن يفك عنها عدواً يمثل في عدده أصغر شعب من شعوبها. عندما فرطوا في المسئولية هكذا أصبح الواقع بالنسبة لهم.
إضافة إلى أنهم فرطوا في البشرية كلها؛ لأنكم {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} كل الناس، أما كان هذا شرف عظيم أن العربي الواحد يصبح شريكاً في أجر من يهتدي في هذا العالم بكله، من أقصاه إلى أقصاه، في هذه الأرض بكلها.
من العجيب عندما نأتي إلى البعض فيكون همه من هذه الآية هو: أن يتحدث بأن في هذه الآية شرف للعرب {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}(البقرة: من الآية143) فهذه هي أمة وسط، يأخذ منها هذا فقط، مسألة: أن الله شرفهم بأن جعلهم أمة وسطاً، أو يقول: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} هذه فضيلة عظيمة! وأحيانا يحاول أن يخص بها أولئك الصحابة، وانتهى الموضوع!.
إنها مسئولية كبيرة جداً، إنها مسئولية كبيرة جداً، بدءاَ من أولئك الذين كانوا أول المسلمين، في أيام رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) هو من ذكَّرهم بها؛ ولهذا قال فيما بعد: {وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} الذي يشكل ضابط الالتزام لديكم حتى تؤدوا مسئوليتكم بنحو صحيح، وعلى شكل صحيح.
عندما فرطوا، عندما لم يكن إيمانهم بالله بالشكل الذي يجعلهم يلتزمون حرفياً، إيماناً واعياً. هم كانوا مؤمنين بالله وبرسوله، لكن الإيمان درجات، الإيمان درجات، لم يكونوا بمستوى أن يعوا، أن يعوا من خلال القرآن، ومن خلال محمد (صلوات الله عليه وعلى آله) عظم المسئولية الكبرى، وكيف يكونون بمستواها، ولم يأت التقصير، لا من خلال القرآن، ولا من خلال رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) الذي هو أفصح العرب، أفصح العرب، وأنشط الأنبياء في عمله، أكثرهم نشاطاً، وأعظم البشر تبليغاً بوسائله، وبمنطقه.
عندما لم يعوا مسألة الإيمان بالشكل الذي يجعلهم يلتزمون حرفياً بتوجيهات الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) بالقرآن الكريم بدأ التفريط من أيامهم، بدأ التفريط ورسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) على فراش الموت مريضاً في آخر أيامه، عندما قال: ((هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده)) فجاء عمر مع مجموعة كبيرة داخل مجلس رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) ليعارضوا بأن يقدم لرسول الله قلم ودواة، فيأمر بكتابة من يكتب مالا تضلوا بعده، مالا تضل الأمة إن تمسكت به، فعارض عمر، وأثاروا ضجة في مكان رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) وقالوا: [حسبنا كتاب الله]! لو كانوا يعرفوا كتاب الله بالشكل المطلوب لكان عليهم أن يقدموا لرسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) قلماً ودواة حتى يكتب ذلك المكتوب الذي يريد أن يكتبه، يأمر بكتابته حتى لا تضل الأمة من بعده.
بوادر التخلي عن المسئولية، عن المسئولية الكبرى بدأت ورسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) كان ما يزال حياً بكامل وعيه، وهو في آخر أيامه مريضاً على فراش الموت.
{وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}؛ لأن مسألة أن تحمل المسئولية، وأن تفهم المسئولية هي لا بد أن تكون على النحو الذي هداك الله إليه في أدائها، وفي حملها، وفي تمثيلها، وأن تكون على هذا النحو من الالتزام لا بد أن يكون إيمانك بالله قوياً، قوياً.
فعندما يأتي عمر وهو رجل بتلك الأعمال: تنصيب أبي بكر، ثم تنصيب عثمان من بعد، هو كله عمل عمر، هو الذي قال لأبي بكر أمدد يدك أبايعك، ولم يمد يده ليبايع تلك اليد التي رفعها رسول الله في [يوم الغدير]، يد علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين عندما رفع رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) يده في يوم الغدير وقال: ((من كنت مولاه فهذا علي مولاه)) ولم تكن الأمة من بعد، ولا أولئك الصحابة أنفسهم، لم يكونوا بمستوى حمل المسئولية، هم من بدءوا يفرطون، عندما يلتفون حول اليد التي مدها عمر، ولم يلتفوا حول اليد التي رفعها رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله).
من الأولى - إن كانوا يؤمنون بالله وبرسوله (صلوات الله عليه وعلى آله) إيماناً واعياً - أن يلتفوا حول يد مدها عمر [امدد يدك أبايعك] أو حول يد رفعها رسول الله على نحو من مائة ألف من المسلمين يرونه جميعاً ((من كنت مولاه فهذا علي مولاه))؟.
إنها آية خطيرة، تذكِّر بعظم المسئولية، وتثير الجانب العاطفي لمن يتأمل هذه الآية، وكأنه يذكِّر كيف ستكونون، لو كنتم تعرفون مسئوليتكم، وتعرفون كيف تحملونها {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} مثلما نقول: [حمِّيْهَا، كان المؤمل فيها كذا..، وكانت..، وكانت..، وكانت...]؛ لهذا جاءت بالشكل الذي يوحي بان الأمة هذه ستتحسر على ماضيها، عندما ترى أنها فرطت، وضيعت، لم تأت العبارة بلفظ: [أنتم خير أمة أخرجت للناس]، {كُنْتُمْ...} يقول المفسرون، معناها: وُجِدتم، بدون لحظ ماضي، وجدتم هكذا {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}.
ما هو الفارق بين أن يقول: أنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وبين أن يقول: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} فعلاً اخترتم لحمل هذه المسؤولية، وكنتم - مقارنة بالأمم الأخرى، مقارنة بالأمم الأخرى - من يؤمل فيهم أن يكونوا بمستوى حمل هذه المسئولية، ولكن ماذا؟ كيف يقول الناس؟ [حمِّيْهَا]، أليسوا يقولون هكذا؟ يمسك على لحيته ويقول: والله كنتم المؤمل فيكم، أنتم كنتم المؤمل فيكم، أن تكونوا من تحملون المسئولية، من ترفعون راية الإسلام، من تصلح البشرية على أيديكم، من تقاتلون في سبيل الله حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله في الأرض كلها، ويظهر دينه على الأديان كلها، وتظهر كلمته على الكلمات كلها، ولكن فرطتم، وما زال التفريط، ما زال التفريط منذ أن كان رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) مريضاً إلى اليوم.
يتحرك الدعاة الآن ليلفوا الناس، ليلفوا الناس حول تلك اليد التي مَدت، والتي طلبت أن تُمَد، يد أبي بكر وعمر، عمر هو الذي قال: أمدد يدك، وأبو بكر هو الذي مد يديه، يدين، كم الفرق بينهما؟ بين يد رسول الله، ويد علي بن أبي طالب، يد تَرفَع، ويد تُرفَع؟ ويعملون جاهدين أولئك الدعاة على أن تهبط هذه الأيدي، وتكسر هذه السواعد، ولترفع تلك اليدين، [أمدد يدك أبايعك] يد أبي بكر، وعمر، أليس هذا هو ما يعملون له؟.
إذاً فالتفريط ما يزال قائماً، التخلي عن المسئولية، الابتعاد عن أن يكونوا بمستوى المسئولية ما يزال قائماً، تلك الـيد التي فرطت هـي نفسها التي ما تزال تقدَّس، وتقبَّل، وتلك الـيد التي رَفعت، وتشير إلى رفعة الأمة - إذا هي التفت إلى حول هذه اليد المرفوعة - هي التي يعمل الدعاة على أن تكون هي اليد التي تُكسر! فما الذي حصل؟ كسروا أنفسهم، وحنوها، وحنوا رقابهم بمقدار ما حنوا من يد رسول الله، ويد الإمام علي بن أبي طالب.
{وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} نحن نقول في أكثر من محاضرة: الإيمان الواعي بالله هو الأساس، هو الأصل، المعرفة الواعية الصحيحة بالله سبحانه وتعالى هي التي تجعلك تعرف كل شيء بمستواه من الأهمية، وعلى ما هو عليه من الأهمية.
أليس في هذه الآية تعنيف لهذه الأمة، وتأنيب لهذه الأمة؟ بدءاً من أولئك الصحابة، بدءاً من أولئك الذين لو كانوا هم يتذكرون عظم المسئولية لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه نحن، ولما وصلت البشرية كلها إلى ما هي عليه الآن، أن يعمها الفساد من بني إسرائيل، الذين حكى الله عنهم في قوله: {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً}.
متى سترتفع هذه الأمة؟ عندما تعمل على رفع يد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، ورفع يد علي من جديد، وإلا ستظل ممددة ما دامت تعمل حول: [أمدد يدك أمدد الأمة من بعدي]، أليست هكذا؟ أمدد يدك نمدد الأمة أنا وأنت من بعدنا، وهذا الذي حصل فعلاً، ما هي إلا فترة من الزمن قصيرة وإذا بجيش يزيد بن معاوية يدخل المدينة فيستبيحها، ويرتكب ذلك الجيش أفضع الجرائم داخل بيوت هؤلاء الذين مددوا أيديهم، فمددوا عرضهم، ومددوا [عزتهم، وكرامتهم، ومددوا الأمة من بعدهم، وما يزال هناك إلى الآن العديد من] المراكز الإسلامية تعمل، كتَّاب يعملون، صحفيون يعملون، وكل من حاول أن يلفت نظره لفتة اهتمام بهذه الأمة، إنما يتحرك في إطار كيف نسير على سيرة السلف الصالح، ذلك الذي مدد الأمة من أول ما مد يده.
رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) في كل حركة من حركاته يعطي مؤشر هداية للأمة، عندما يرفع يده ويد علي ماذا يعني؟ رفعة الأمة، فوق أقتاب الإبل، ألم تجمع له أقتاب الإبل؟ أنتم يا رعاة الإبل يمكن أن تكونوا أرفع أمة إذا رفعتم هاتين اليدين، ألم يكن العرب هم رعاة الإبل؟ هم رجال الصحراء؟ وكان الإجتماع للغدير في الصحراء، ومن فوق أقتاب الإبل ترفع يد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) ويد علي، وكأنه يقول: أنتم يا أبنا الصحراء، ويا رعاة الإبل، يمكن إذا رفعتم هاتين اليدين أن ترفعوا، وتكونوا أنتم من يرفع لواء الله، وكلمة الله في الأرض، ومن تكن لكم السيادة على الأمم، لكنهم تخلوا عنها فأصبحوا حتى ولا رعاة إبل، أصبحوا حتى لا يحملون ذلك الإباء الذي كان يحمله البدوي الذي يرعى الإبل، لم يعودوا يحملون تلك الشهامة، وتلك النفوس الرفيعة التي كان يحملها البدوي الذي كان يرعى الإبل! فكان يأبى أن يخضع لكسرى، أو لقيصر، وكان يأبى أن يظلم أبسط الظلم، هبطوا، هبطوا حتى أصبحوا من يصفقون للظالم، من يؤيدون الظالم، من يعنفون من يرفع رأسه بإباء وشرف!.
ألـم يصبح هكـذا واقع العرب؟ اهبط، عنـدما تحرك معمر القذافي بكلمات، ومواقف، يقولون: مجنون، مجنون - كيفما كان - ألم يأت بكلام هو نفسه كلام ذلك البدوي الذي كان يرعى الإبل، ويجلس في الصحراء، هو نفسه يقلد هذا المنظر حتى هو، الخيمة، والصحراء، وزيُّه البدوي، ويحاول أن يقول لهؤلاء العرب: على أقل تقدير حاولوا أن نحمل تلك النفوس التي كان يحملها البدو من رعاة الإبل، الذين كانوا يعيشون في الصحراء في خيام كهذه. قالوا: مجنون، وهذا إرهابي، وهذا مغفل، وهذا سيكلف علينا، وذا.. وذا..
كلهم أصبحوا يدسون رؤوسهم في التراب، ومن يأتي يتكلم منهم من جديد، ويحاول أن يضع النقاط على الحروف يقول: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فتعالوا نمشي على سيرة السلف الصالح، أبي بكر وعمر، وصحابة رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، ومن جديد يرجع إلى أن يدس رأسه في التراب من جديد.
لا، لا، لن ترفع الأمة رأسها حتى ترفع يد علي، ويد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) حتى {وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}. عندما جاء بهذه الكلمة: {وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} في هـذا المقام؛ لأنكم لن تكونوا جديرين - حتى لو انطلقتم من استشعار المسئولية - أن يكون لأمركم بالمعروف، ونهيكم عن المنكر إيجابية، وأثر حقيقي، ويكون له قيمته، إلا متى كان على هدي الله، والتزام بهدي الله، في كتابه، وعلى لسان رسوله (صلوات الله عليه وعلى آله)، وفي حركة رسوله، في حركة رسوله، وفي مواقفه، في حياته (صلوات الله عليه وعلى آله).
هكذا يقول القرآن الكريم الذي لم يروا فيه أنه جدير بأن يهدي، وكأنه كتاب قديم، كتاب قديم لا دخل له بشئون الحياة، ولا يعرف كيف يوجه الناس إلى الصراع، ولا يعرف كيف يتحاور كما نتحاور نحن، ولا يعرف كيف يضع أسساً، وقواعد للمفاوضات مع اليهود كما نعمل نحن!!. إنه يعمل بكل وضوح، وبكل بيان؛ لأنه كتاب مبين، كتاب مبين يعمل على أن يدفع بالناس نحو الانطلاقة على أساس من هداه، فيذكرهم بكل العوامل التي تساعدهم على الانطلاقة والعمل.
خطورة عظيمة، التفريط خطورة عظيمة، كأنه يقول: أنا من لي ما في السموات، وما في الأرض، وأستطيع أن أغير وأهيئ الأمور، أنتم تتحملون مسئولية عظيمة، تذكروا عظم المسئولية، وتذكروا عظم النعمة عليكم، بأن تكونوا انتم من تناط بكم هذه المسئولية، أليست هذه عوامل للدفع على أرقى مستوى؟ من لا يتحرك بعد هذا فإنه جدير إذا كان هناك ما هو أذل له من أن يكون عنقه تحت أقدام اليهود لكان جديراً به، يكون جديراً بالذلة في الدنيا، وجديراً بأن يكون في قعر جهنم في الآخرة؛ لأننا لم نجن على أنفسنا، نحن العرب لم نجن على أنفسنا فقط، بل جنينا على البشرية كلها، تركناها ضحية لمن يسعون في الأرض فساداً، فكم هو إثم العرب! كم هي الجريمة التي ارتكبها العرب! أن يكون آلاف الملايين من البشر المساكين، الذين لا يفهمون شيئاً أمام الخبث والمكر اليهودي.
يقول أحد الكتاب عن الأمريكيين، قال: 94 أو 96% من الأمريكيين العاديين تحت مستوى درجة الذكاء، فلماذا حركت أمريكا على هذا النحو، وحرك العالم على هذا النحو؟ هو الخبث والمكر اليهودي، هو القدرة اليهودية على التخطيط، والتنفيذ، فلعبوا بالعالم فعلاً، دوخوا حتى النصارى، تلك الشعوب من النصارى دوخوها، وجعلوها تقف معهم، وهم من كانوا يحملون حقداً كبيراً عليهم، وهم من كانوا يتهمونهم بقتل المسيح، وصلبه، يستخرجون قراراً من مرجعية المجتمع النصراني بتبرئة اليهود وساحة اليهود عن قتل السيد المسيح! ففكوا عن أنفسهم عقدة كانت عليهم في قلوب النصارى، ليضمنوا بها أن يشتغلوا من جديد في أوساطهم، فيكونون هم الرأي الذي يؤيدهم، هم الكلمة التي تؤيدهم، بأموالهم، بأقلامهم، بألسنتهم، بمواقفهم.
خمس عشر مليون يهودي فقط في العالم هذا كله - كما يقولون في الإحصائيات - خمس عشر مليون، أقل من سكان اليمن، هم من يحرك هذا العالم، أقل من سكان اليمن!
متى ما قلنا يتوحد الناس تبادر إلى ذهن أي واحد منا: يتوحد المسلمون جميعاً! لا، لا، لو توحد شعب واحد، لو توحدت محافظة واحدة، لو توحدت قبيلة واحدة لعملوا المستحيل. وأمر الله للناس بالتوحد، وهذه التوجيهات ألم تكن في بدايتها موجهة إلى كم؟ إلى ما هو أقل من مليون مسلم، قد لا يكونون نحو مليون مسلم، الذين توجهت هذه التوجيهات إليهم، وكم هو اليمن؟ تسع عشر مليون على أقل تقدير، ونفس الشيء بالنسبة للزيدية، بقدر ما تكون أنت تناط بك مسئولية أكثر، بقدر ما تكون الجريمة من قبلك في التفريط أكبر.
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ألسنا نقول بأننا خير الأمة، الزيدية؟ وأننا نحن الطائفة المحقة؟ وفعلاً عقائدنا هي الحق، يشهد لها القرآن الكريم، ويشهد لها الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله)، ولكنا أصبحنا كما أصبح الآخرون.
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} فهذه الأمة هي أفضل الأمم، ناسين في وسط هذه الأمة لما فرطت في المسئولية، وفي هذا الشرف العظيم، كذلك نحن الزيدية، من نقول بأننا أفضل الطوائف، وأننا خير الطوائف، وأننا أهل الحق، وأننا.. وأننا.. المسئولية كبيرة علينا، وأكبر من الآخرين. أهل البيت من يقولون أنهم هم خير الناس، وأن الله فضلهم، وأن الله كذا، وكذا.. وأوجب على الناس محبتهم، ومودتهم، المسئولية عليهم أكبر، وأكبر، لكننا فرطنا جميعاً.

فالتذكير بما حصل على بني إسرائيل هو يذكر بسنة إلهية، نعوذ بالله من أن تقع علينا {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ}(آل عمران: من الآية112) أليس هذا هو الذي حكاه عن بني إسرائيل؟ إنما نسأل الله أن يرفعها عنا أما وقوعها فيبدوا أنها قد وقعت فعلاً، ونعمل كيف نكون ممن يسعى لرفع هذه الذلة، وهذا الغضب، وتلك المسكنة وإلا فهذه الذلة، والمسكنة معروفة، أصبحت معروفة.
تضرب طائرات ياسر عرفات، مسكين، ويحاصر في بيته، وكل زعماء العرب، كل شعوب العرب فقط يتفرجون في التلفزيون، لا يستطيعون أن يقولوا شيئاً، ولا يحركون شيئاً! أليست هذه هي الذلة؟ ما كان العربي البدوي يسمح لمثل هذه أن تحصل.
الصحفيون، ومن يتولون إذاعات نشرات الأخبار ماذا يكون همه؟ مذيعة في قناة الجزيرة أثناء الضرب، لاحظوا أثناء الضرب، همها، همها فقط أن يوافي بآخر الإحصائيات من أجل الخبر تسبق إليه الجزيرة فقط، [تمام لكن قلنا كم هناك من ضحايا لحد الآن، وكم هو الضرب] فقط، إنما نريد نعرف كم قتلوا، وكم دمروا! بدون أن نعمل شيئاً، وهكذا وسائل الإعلام تأتي بالأخبار فقط لمجرد الإحصائيات، ونحن نستمع فقط لمجرد الإحصائيات، لكن ليس هناك في إعلامنا ما يحركنا، ولم يعد في ضميرنا، وفي أنفسنا من الإباء ما يحركنا، هي تسابقه في الكلام، هو يريد يكلمها تقول: [تمام لكن قل لنا الآن، الآن، قبل تأتي قناة أخرى تأتي بإحصائية دقيقة قبل، حتى تسبق إليها قناة الجزيرة، الآن قل لنا الآن كم الإحصائيات؟] فقط.
ونحن عندما نطالع في التلفزيون فنعرف ماذا يعمل بالمسلمين هنا وهناك لمجرد معرفة إحصائيات فقط،لأنه قد روضنا اليهود، واليهود خطيرين في الترويض، يقتلون اثنين، ثلاثة، أربعة فلسطينيين، خمسة، عشرة، واليوم بيت، وغداً بيت، وثاني أسبوع ثلاثة بيوت؛ لأننا نحن هم عارفون طبيعتنا نحن العرب، في الأخير نضجر، لا نعد نريد أخبار فلسطين، قد نحن نريد أخباراً جديدة، أما هذه قد هي معروف خلاص! هم يروضوننا.
لكن لاحظ كم ستطلع النتيجة؟ كم طلع إحصائيات القتلى خلال هذه الانتفاضة، كم؟ عدد كبير جداً، نحو ثلاثة آلاف، لكن وحدة، وحدة، كل يوم يفطرون بثلاثة، ويتعشون بأربعة، هم يعرفون أننا سنضجر حتى أن نتابع أخبارهم، ملل لدينا العرب ملل! هذا هو من الخذلان أيضاً، من مظاهر الخذلان: أن يحصل ملل لدى الناس فلا يعودون يستثارون بشيء، فقط أحياناً متى ما حصل حادثة فيها عدد كبير، عشرة في مرة واحدة، أليس هذا يكون مثير قليلاً؟ لكن قالوا: [اقسموهم لليلتين]، ثاني مرة يضربون خمسة، وثاني يوم خمسة، والنتيجة هي تلك، هم تحت اليد، هم تحت اليد، هم ليسوا عجالين.
لأهمية التذكير بفضيلة السبق التي كان العرب معروفون بأنهم كانوا سباقين إلى ما فيه الشرف، والرفعة، ألم يكونوا هكذا؟ سباقون إلى ما فيه شرف ورفعة، ويتنافسون فيما بينهم على مقامات الشرف، والرفعة، والإباء، يقول لبني إسرائيل أنفسهم: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ} ليفوزوا بشرف السبق في مستقبل الرسالات كما فازوا في ماضيها، في أيام أنبياء بني إسرائيل، عندما فاز الكثير منهم، حيث كانوا يجاهدون تحت راية موسى، وعيسى، وغيرهم من الأنبياء.
ونحن العرب يقول لنا، ولو كنا كما كان يراد لنا خير أمة، نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونؤمن بالله لكان خيراً لنا، لكان خيراً لنا في دنيانا، وآخرتنا. لماذا انحط بنوا إسرائيل؟ لأنهم منهم المؤمنون قليل، وأكثرهم الفاسقون، هكذا تكون الأمة في حالة كهذه معرضة للإستبدال، أن يستبدل الله بها غيرها.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}(المائدة: من الآية54) يعني قوم آخرين غيركم {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ} هذا هو الفضل، يعني: التأهيل، التأهيل لحمل الرسالة، التأهيل بأن تناط بكم مسؤولية كهذه، هو شرف، وهو فضل عظيم.
ذكَّرهم بالنعمة العظيمة، والشرف العظيم لهم بأن يكون محمد (صلوات الله عليه وعلى آله) منهم، لم يحسبوا لها حسابها، كانوا يرفعون أصواتهم فوق صوته، ويجهرون له بالقول كما يجهر بعضهم لبعض، فجاء الله في كتابه الكريم يؤدبهم، أنتم لا تعرفون من هو هذا الرجل، محمد (صلوات الله عليه وعلى آله)، أنتم لا تعرفون عظم النعمة به عليكم، منَّ عليهم بان كان كتابه الكريم بلغتهم، {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} (الشعراء:195)، وذكرهم بالشرف العظيم {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ}(الزخرف: من الآية44) لشرف لك ولقومك {وَسَوْفَ تُسْأَلونَ}.
فالمسئولية كبيرة، ضياع، ضياع ما هو شرف لك، شرف لك في الدنيا وفي الآخرة، ومن شرفك به هو الله، سوف تسأل عنه يوم القيامة بين يدي الله {وَسَوْفَ تُسْأَلونَ}، لم يهتموا بهذا! شرفهم بأن اختار لهم قائداً، يؤمنون، ويسلِّمون بأنه أعظم فارس، ومقاتل، وأنه أكملهم بعد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، علي بن أبي طالب، فلم يلتفتوا إلى هذا، أختار لهم أهل بيته ليكونوا قرناء مع كتاب الله، فيكونون هم من تلتف حولهم الأمة، فرفضوا هذا، وبحثوا عن قدوات من هنا وهناك، من بخارى، ونيسابور، وطبرستان، وجرجان، وغيرها من المناطق الأخرى، حتى لم يعودوا يبحثون عن قدوات من العرب! البخاري، ومسلم، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، من أين هم؟ من هناك، أعاجم! وابن جرير، والرازي، وفلان، وفلان، من أين هم؟.
العرب أنفسهم، من اختير لهم قدوة نبي من أنفسهم، وقائد من أنفسهم، وهداة وأعلام من أنفسهم، وكتاب بلغتهم، يرفضون هذا، ويطلِّعون عليه كتاب البخاري! أين كتب كتاب البخاري؟ ومن هو كاتب الكتاب هذا؟ لاحظ كيف يستبدلون هم لأنفسهم! {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا..}(البقرة: من الآية61) اهبطوا، أليس البخاري لديهم وهم يقولون أنه الكتاب الأول بعد القرآن؟ وعملياً، عملياً يقولون: [السنة حاكمة على القرآن]، حاكمة على القرآن، وأعظم كتاب لديهم في السنة هو البخاري.
إذاً فالبخاري حاكم على القرآن، أليس هكذا؟ ألم ينبذوا كتاب الله الذي نزل بلسانهم، ويبحثون عن كتاب من بخارى؟ ينبذون رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) الذي هو من أنفسهم، وفي أكثر من آية {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ}(آل عمران: من الآية164) منهم، عربي. أنت أيها العربي، من كنت تنافس، ومن كنت تكاثر الآخرين حتى بالأموات، وكانوا يتنافسون في العدد، وفي البحث عن مقامات الشرف، حتى ينطلق بعضهم مع بعض ليقول: هذا عمي، وهذا خالي، وهذا جدي، في المقابر {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} (التكاثر:2) كان هنا التكاثر الحقيقي، كان هنا الشرف الحقيقي.
القراء الذين اختاروهم، قراء للقرآن، وأصحاب القراءات من أين هم؟ أكثر من 90 % منهم، أعتقد واحد منهم عربي، والباقي كلهم موالي، الكل موالي.
إذاً فهداتهم، وقادتهم، وأعلامهم، في التفسير، في الحديث، في القراءات كلهم من غير العرب، أما كان العرب هم منهم جديرون بأن يكون الشرف العظيم لهم؟ الآن أن يلتف العرب حول البخاري؟ أليس شرفاً لأهل بخارى، أن منا البخاري، ومنا فلان، ولأهل نيسابور، أن منا مسلم بن الحجاج، وهكذا، أليس فخراً لأولئك، وشرفاً لأولئك؟.
كان الشرف للعرب أن يكون منهم نبي الأمة، منهم آخر الرسل، هو سيد البشر، لكن افتخار حقيقي، يكونون بمستواه، وبلغتهم نزل القرآن، ومنهم أعلام الأمة، ومنهم هداة الأمة، ومنهم قادة الأمة، منهم علي، ومنهم أهل بيت رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) لكن لا، ضيعوا، ضيعوا. إذاً قل أنها أصبحت القضية كنتم، [حمِّيْها، كنا نريد منكم أن تكونوا كذا، وكذا، ثم ضيعتم}.
تعود الآيات إلى ساحة الصراع من جديد، بعد أن ذكَّرت بعظم المسئولية، إذا كان هناك من يندفع من منطلق استشعاره بعظم المسئولية؛ ليقول، وهذه هي الهداية على أرقى مستواها، وتصوير الواقع على أوضح ما يكون، وبما يكشف أن الله يهدي، يهدي الناس هنا إلى كيف يكونون مواجهين في ميدان المواجهة مع أهل الكتاب، اليهود والنصارى، يقول بعد أن أرشدنا إلى التوحد، أرشدنا إلى التقوى، نهانا عن التفرق، وخطورة التفرق في الدنيا وفي الآخرة، ثم أكد لنا بأن هذه الآيات هي حق، ثم قال: هو معنا، وله ما في السموات وما في الأرض، سيهيئ الأمور لنا، يقول أيضاً عن أولئك الذين ندعوكم الآن لمواجهتهم، كأنه يقول لنا هكذا: الذين نحدثكم في هذه الآيات، ونؤهلكم لمواجهتهم، ولقتالهم هم أيضاً ضعاف.
أليس هذا عامل آخر يبعث على الانطلاق؟ يقول: أنتم متى كنتم بهذا المستوى: متوحدين معتصمين بحبل الله جميعاً، وكنتم على هذه الثقة العالية بالله، أن له ما في السموات وما في الأرض، وأنه لن يغلق الأجواء أمامكم، ولن يدعها مغلقة أمامكم.
وبعد أن ذكر بخطورة أولئك علينا في حياتنا، وفي ديننا، في آخرتنا، يقول عنهم: هم أيضاً متى كنتم بهذا المستوى فسيصبح واقعهم هكذا: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً}(آل عمران: من الآية111) طقطقة هناك، طقطقة لا قيمة لها، {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ}(آل عمران: من الآية111) ما بقي بعد هذا؟ ومن الذي يقول هذا؟ هو الله، الذي يعلم الغيب في السموات وفي الأرض، ويعلم السر في السموات وفي الأرض، يعلم اليهود الذين ضرب عليهم الذلة والمسكنة، كيف سيكونون في ميدان القتال.
ولهذا الأشخاص الذين يثقون بالله يتكلمون بملئ أفواههم بكل تحدي لإسرائيل عند رأسها، حسن نصر الله، وأمثاله، بكل صراحة، وبكل قوة، من منطلق ثقته بصدق القرآن، أن هؤلاء أجبن من أن يقفوا في ميدان القتال صامدين، وجربوهم فعلاً، جربوهم في جنوب لبنان، كيف كانوا جبناء، يهربون، جندي واحد يرد قافلة، ورتل من الدبابات، الشاحنات العسكرية، أرعبوهم حتى أصبح اليهود متى ما خرج اليهودي من جنوب لبنان إلى داخل فلسطين يبكي من الفرح، ويقبِّل أسرته، خرج من بين غمار الموت.
{لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً} يصبح إعلامهم، تصبح كل أعمالهم، كلها تتبخر عندما تكونون على هذا النحو، عندما تكونون على هذا المستوى من الوعي، والثقة بالله، والاعتصام بحبل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في داخلكم حتى تكشفوا لكل أسرة ما يدبره ضدها الآخرون، تصبح كل وسائل إعلامهم تخسر، تخسر، قنوات فضائية تتبخر، وترسل ذبذبات إلى فوق ولا تنزل إلى الأرض، مؤامراتهم في مجال الاقتصاد كلها تتبخر، تصبح أذية، إزعاج، مثلما يأتي ذباب [يحدث طنيناً] عند أذنك.
{وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ} أليس هو يؤكد لنا أن كل شيء من جانبهم يتبخر، وسيفشل؟ كل مؤامراتهم تصبح مجرد أذى، لا فاعلية لها، وإن نزلوا إلى ميدان المواجهة المسلحة {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ} يفرون من أمامكم {ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} لا يجدون من ينصرهم، فعلاً لا يجدون من ينصرهم، لا الله، ولا حتى تلك الشعوب الأخرى، شعوب الغرب، ستتخلى عن اليهود، إذا ما وجدونا نحن، من مصالحهم داخل أراضينا، هكذا قال أحد المسئولين، أعتقد مسئول فرنسي، أو بريطاني، عندما قالوا لهم لماذا لا تقفون مع العرب؟ قال: [لستم بمستوى أن نقف معكم، ولا بمستوى أن نتخلى عن إسرائيل؛ لأن إسرائيل هي المهيمنة].
قال: {ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} عبارة: ينصرون فعل ما يسمى مبني للمجهول، أي فاعله مجهول، أي: لا يحصل لهم نصر من أي طرف آخر، لا من قبل الله، ولا من قبل أحد من البشر، {ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} تلك الشعوب نفسها سترى بأنها أن تقف مع إسرائيل، وهي ترى موقف السخط داخل هذه الأمة، وترى الجهة القوية التي تضرب إسرائيل، ستحافظ على مصالحها. هل هم وقفوا مع شاه إيران، وكان هو عميل، وكانت إيران تهمهم كثيراً، مصالحهم من إيران أكثر من مصالحهم من إسرائيل.
{ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} لا يكون هناك من يقف معهم وينصرهم، أليس هذا مما يشجع على مواجهتهم حتى المواجهة المسلحة، قل للناس الذين يقولون: كيف يمكن؟ من يستطيع لإسرائيل وأمريكا؟ من يستطيع في إسرائيل، من يستطيع يواجه إسرائيل؟ في الأخير يصبح لدينا شعور بعيداً عما قاله الله سبحانه وتعالى: أن هؤلاء الذين هم خصوم ألداء، وخصوم خطيرين جداً، جداً، هم ليسوا خطيرين في ميدان المواجهة المسلحة.
{وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ} أليست هذه الآية من آيات الله حقيقة، وجربوها في جنوب لبنان، {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ} منهم أصحاب الضمير في قوله: يقاتلوكم؟ أنتم يا هؤلاء، وليس هذه المجاميع؛ لأنهم قد قاتلوا المصريين، وقاتلوا سوريين وهزموهم، أليس كذلك؟ لأنهم لم يكونوا من هذه النوعية، ممن يعتصمون بحبل الله جميعاً، وينطلقون بثقتهم بالله، وينطلقون وفق ما هداهم الله في هذا القرآن الكريم، القرآن الكريم هدى حتى إلى القيادة التي يجب أن تكون هي القيادة للأمة كيف يجب أن تكون، ومن أين تكون، فعندما تتوفر للأمة هذه المقومات وإن كان شعباً واحداً، أو جنوب شعب، كما هو في جنوب لبنان، سيولونهم الأدبار، وسينهزمون من أمام وجوههم.
لكن لما تجمعت سوريا ومصر والأردن، وعدة بلدان، وهزمتها إسرائيل، ألم يهزمهم اليهود؟ أم نقول: أن القرآن الكريم ليس حقائق؟ لا، هو حقائق لا تتخلف إطلاقاً، لو تجمع العرب على هذا النحو، وكل بلد يعطي جيشاً وهم على هذا النحو، لن ينتصروا أبداً أمام إسرائيل، وستهزمهم إسرائيل.
ابدأوا كونوا بهذا المستوى وسترون، ترون ماذا؟ أن أولئك اليهود {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} أصبح الناس في جنوب لبنان لا يخافون إسرائيل، يتجرءون على إسرائيل، يتحدونها، عروض عسكرية تحت مرأى أقمارها، مرأى ومسمع وسائل إعلامها، يتحدونها بكل جرأة، وبكل قوة، وهم حزب واحد فقط، في جنوب لبنان، بينما هزمت أمامها جيوش عربية متعددة؛ لأنهم كانوا غثاء كغثاء السيل، ليسوا بمستوى أن يحظوا بأقل نسبة من نصر الله.
يتحدث عن كيف سيكونون في ميدان المواجهة {يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ}؛ لأنهم - ويعتبر عامل آخر يشجع المؤمنين على أن يهيئوا أنفسهم لمواجهتهم - لأنهم هكذا، هكذا، هؤلاء اليهود، هؤلاء أهل الكتاب {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا}(آل عمران: من الآية112) ذلة في أعماق نفوسهم، لكن معها خبث، وتخطيط، ومكر رهيب، سيحطم ويجعل تلك الشجاعة في هؤلاء العرب، وذلك الإباء في هؤلاء العرب يتبخر إذا لم يهتد العرب بهدي الله في مواجهتهم.
{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا} أينما وجدوا، أينما أخذوا {إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} ولن تأتي الحبال، ويأتي حبل لهم من الله إلا بسبب تفريطنا نحن، متى ما فرطنا سيتخلى، بل ربما سيسلطهم هم علينا. وتلاحظوا كيف تدل علامات التسليط، عندما اجتمع زعماء المسلمين في [الدوحة] كنا لا نزال نرى عندما يعرض التلفزيون لقطات من اجتماعات مجلس الوزراء في إسرائيل، ليس هناك أي شيء يخيف اليهود، ولا يخيف رئيس الوزراء، عملية الضرب لا تزال مستمرة، الأجواء طبيعية داخل إسرائيل، لم يقال بأن إسرائيل أعلنت حالة الطوارئ، أو أنهم أعلنوا في جيشهم حالة الطوارئ، وحالة الإستنفار، طبيعي.
هم يحملون نفوساً قوية؛ لأنهم يعرفون أن هؤلاء أصبحوا لا شيء، لم يعودوا يخافونهم، خمسين دولة يجتمع زعماؤها ولا يحرك في [شارون] شعرة واحدة، ولا يبالي! لماذا؟ لأنه لا يشعر برعب، مظاهر الرعب هي من مظاهر من ضربت عليهم الذلة في مواجهة الطرف الآخر، ألم يرعب الناس جميعاً حتى أصبحوا يقولون: [بطِّل، سيقولون أنت إرهابي، هؤلاء إرهابيين، و. و.].
كلهم أصبحوا يخافون، كلهم زعماء، وكلهم أصبحوا خائفين، قد هم يسمعون أن أمريكا تحرك طائرات، تحرك قطع بحرية، زحمة، زحمة ضجة.. لو أن الأمة كانت بهذا المستوى لكانت تلك الضجة عبارة عن ضجة، طنين لا أثر لها، بل ربما لما استطاعت أمريكا أن تحرك قطعة واحدة داخل البحار.أمريكا التي تخلت عن الشاة تتخلى عن إسرائيل، تتخلى عن عملائها، تتخلى عن أصدقائها، ملك إيران الذي كان عميلاً حميماً، أعطاهم امتيازات هائلة داخل إيران، البترول يستنزفونه، جعل إيران مأكلة لأمريكا.
عندما انتفض، وعندما انطلق الشعب الإيراني المجاهد، وطرد هذا العميل لم تسعه الدنيا، الأمريكيون ما عاد قبلوه حتى أن يذهب إلى عندهم، إلى أمريكا، وأمريكا واسعة، ما عاد قبلوه يلجأ إليهم، ولا قبلته بريطانيا، ولا قبلته دول الغرب بكلها يقولون: [نقبل هذا نخسر مصالحنا داخل شعب، نحن نريد أن تبقى علاقاتنا الاقتصادية] وأشياء من هذه، هم كل حسهم اقتصادي، تجاري، يتخلون عنك بسهولة، مثلما أنت قد تبيع شرفك، وعروبتك، ودينك، ووطنك بمبلغ معهم، فتصبح عميلاً، هم سيبيعونك بكل بساطة.
الآن أليسوا هم في حالة بيع للأمراء؟ مهيئين يبيعونهم فعلاً، انتهى لم يعد له أي قيمة، فالحبل - إن كان هناك حبل - هو تسليط لهم من قبل الله بعدما فرطنا، وبعدما أصبح واقعنا سيئاً، يجعلنا عاجزين عن مواجهتهم، فنصبح جديرين بأن يسلطوا علينا، وهذا ما هو واقع.
وحبل من الناس من عندنا: بترولنا، وأموالنا، وألسنتنا، ووسائل إعلامنا، ومواقفنا، وحبل من الغرب، حبل من شرقي، وحبل من غربي، أمريكا، ودول أوروبا كلها تقف معهم؛ لأنهم أصبحوا يرون بأن في الحفاظ على إسرائيل حفاظاً على مصالحهم، لأن من يحرك تلك الشعوب؟ هم اليهود، من يحرك أمريكا هم اليهود.
ألم يقل ذلك الكاتب: أن الأمريكيين هم أغبياء أساساً؟ رعاة أبقار كان يسمونهم، بدو عاديين، ليسوا هم إلى مستوى أن [يهيمنوا هذه الهيمنة لوحدهم]، هم اليهود من يحركون بريطانيا، وفرنسا، وأمريكا، ودول أوربا كلها هم اليهود، أشخاص قليلين، تحكموا في الدول الكبرى في هذا العالم، لكن عندما نراهم كباراً، وكيف أصبحوا يتحكمون في العالم، كان هذا هو ما يراد للعرب، لكن على نحو من إصلاح الدنيا، من نشر دين الله، أن يكونوا هم، العرب، أولئك الذين كانوا رعاة الإبل، وسكان الصحراء، هم يصبحون من يسودون العالم.
ألسنا الآن ننبهر أن نرى اليهود وهم أقلية هم من يتحكمون في شؤون هذا العالم؟ بشؤون هذه الدول، وهم عدد قليل، وهم من ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وهم من هم مكروهون في المجتمعات، أما نحن فكان كتاب الله سيحببنا إلى البشر، يحبب العرب إلى البشر، رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) سيكون شرفاً عظيماً للعرب يجعلهم مقبولين عند الشعوب، الدين العظيم هذا الإسلام دين عظيم نقدمه للأمم فترى فيه العظمة، يحببنا نحن العرب إليهم فيقبلوننا، يقبلوننا بكل مودة، وبكل قابلية.
عندما يقول: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} هو خطاب لمن؟ للعرب، هو خطاب للعرب، ظهرت للناس، من أين ظهر؟ ألم يظهر من مكة ومن المدينة؟ ثم توسع في الجزيرة، داخل بلاد العرب، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} وعبارة للناس لمن؟ للبشر، للعالمين.
{إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} أليست هذه أشياء تدل على أنهم يعيشون حالة الذلة في نفوسهم، اليهود؟ ذلة، مسكنة، غضب من الله. لاحظ هنا يقول: بأنه سيكون معنا, فمن هو غاضب عليه لن يكون معه، أليس هذا واحد من العوامل المهمة؟ أن من الله غاضب عليه سيسلطك عليه، من ضربت عليه الذلة والمسكنة لن يقف بجرأة وشجاعة أمامك في ميدان المواجهة.
فالآية هذه هي تتحدث بكل ما يدفع بالناس إلى أن ينطلقوا في العمل ضدهم، لكن ما هو الذي يحول دون كل ذلك؟ هو ضعف الإيمان بالله، عندما لم نكن كمن قال: {وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} سيجعل كل هذا الكلام فاضي، كلام ما له معنى، نرى الدبابة كبيرة، نرى الصواريخ، فنقول: هذا يمكن هو ما هو داري ماذا سيأتي بعد، فكأنه هكذا أصبحنا, بمعنى أنه: {وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ} حتى وإن كانوا يمتلكون أسلحة فتاكة، وأسلحة خطيرة.
والواقع شهد على هذا، المجاهدون في جنوب لبنان يمتلكون أسلحة خفيفة، فكانوا يفجرون الدبابات، وأصبحت تلك الدبابات، وتلك القطع المتطورة، قد أصبحت وسيلة للهروب، وهم يولون الأدبار، ومتى ما كانت الدبابة متثاقلة، ينزلون منها ويهربون، قد هي ثقيلة الدبابة، يولوكم الأدبار، يخرجون من هذه العربات، يخرجون بأي طريقة ويهربون، أليس هذا شاهداً حياً من واقع الحياة، من واقع مشاهدتنا نحن؟.
أن نقول: يمكن هذا يوم كان عادهم يهود ما قد معهم إلا سيوف، ما قد معهم إلا رماح، أما الآن فقد معهم صواريخ، ومعهم قنابل نووية، ومعهم دبابات متطورة، ومعهم كذا أسلحة، وأصبحوا هم من يبيعون من دول أخرى التكنولوجيا العسكرية، من الصين، ومن غيرها، فيمكن ما .. لكن لا، آيات الله هي حقائق، عندما يقول: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ}(البقرة: من الآية252) {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ}(آل عمران: من الآية103) هي حقائق مهما كان بحوزة اليهود من أسلحة، فمتى انطلق الناس على هذا النحو، وعلى هذا المستوى الذي هداهم الله إليه فإنهم سيولونكم الأدبار ثم لا ينصرون، وإن كان معهم ما معهم من الأسلحة.
فمن المهم جداً، مهم جداً أن يتابع الناس عن طريق الأفلام، أن يتابعوا العمليات الجهادية، التي ينفذها حزب الله، وتجد فيها الآيات، وليس فقط مشاهد عسكرية، تجد فيها مصاديق للقرآن الكريم، مصداق للقرآن الكريم، تأييد للقرآن الكريم، وهم عندهم، عند رؤوسهم، يستطيعون أن يضربوهم بالقنابل، لكن لا، اليهود {ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} لا يوجد في داخل أنفسهم ما يجعلهم ينتصرون عليك، ولا أحد من حولهم يجعلهم ينتصرون عليك، ولا حبل من الله يبقى، ولا حبل من الناس، كل شيء يصبح متخلياً عنهم، فلا ينصرون فعلاً.
عندما قال: {ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ} أحيانا قد تكون عوامل النصر هي من كونك تحمل نفساَ قوية أحياناً، قوة معنوية، معنويات مرتفعة، وصبر، وفتك، وفروسية، هذه مفقودة فيهم؛ لأنهم ضربت عليهم الذلة والمسكنة، معهم حبال، حبل من هنا، وحبل من هنا، ستنقطع هذه الحبال إذا ما أصبحتم أيها المؤمنون على هذا النحو. فماذا بقي، ماذا بقي من عوامل النصر؟ عوامل الانتصار في المعارك هي تأتي بارتفاع معنويات الجنود، ارتفاع معنويات أنفسهم، نفوس قوية تجعلهم يستبسلون، ويقاتلون، ويصبرون، أو تأييد من هنا، ومن هنا، أليس هكذا؟.
إذاً عرض لك المسألة كلها بأنه معهم حبل من عند الله، وحبل من عند الناس، ستنقطع هذه الحبال، وهم في أنفسهم ليسوا مهيئين، هم ممن ضربت عليهم الذلة والمسكنة، ترى أنفسهم ذليلة، وأنفسهم مسكينة، وإنما نحن العرب من جعلنا أنفسهم كبيرة أمامهم، وهم باءُوا بغضب من الله، فلن يبقى حبل، وسيقف ضدهم، متى كنا معه، على هداه في مواجهتهم سيكون معنا، سيكون معنا في الميدان وسيضربهم.
{وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} ونفس الشيء, نفس ما يتحدث عنه القرآن الكريم من أن المسألة هي لها أسبابها، لماذا ضربت عليهم الذلة والمسكنة؟ لماذا باءوا بغضب من الله؟ لأنهم اقترفوا ما استوجبوا به هذا، وهم من كان منوط بهم مهمة ماذا؟ مهمة إبلاغ الرسالات، وحمل الرسالات لإصلاح البشرية، فتحولوا إلى مفسدين في الأرض، وتحولوا إلى محرفين لدين الله، وإلى ملبسين للحق بالباطل، فأضاعوا أنفسهم، وأضاعوا البشرية، فأصبحوا جديرين بأن تضرب عليهم الذلة والمسكنة، وأن يبوءوا بغضب من الله.
فعندما يذكر بأسباب هذه يقول: والآخرون كذلك، أنتم يا من كنتم خير أمة أخرجت للناس، أنتم يا من ترون أنفسكم الطائفة المحقة، أنتم يا من ترون أنفسكم بأن الله اختاركم، وفضلكم، وأوجب على الأمة محبتكم، إذا ما تخليتم ستضرب عليكم الذلة والمسكنة، وتبوءوا بغضب من الله، كما ضربت على أولئك.
لأنه لاحظ فيما عرضه القرآن الكريم من الآيات: {يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} (البقرة:47) يتحدث عما حظوا به من رعاية عظيمة من قبل الله؛ ليعرف الناس بأنهم مهما حظوا به من عناية ورعاية، مهما حظوا به من تفضيل وشرف وتكريم، ولم يكونوا بمستوى المسؤولية التي أنيطت بهم، بمستوى هذا الشرف فإنها ستضرب عليهم الذلة والمسكنة، ويبوءوا بغضب من الله؛ لأنه قال هنا: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} ذلك، يعني ما هو؟ ضْرب الذلة والمسكنة، وأن يبوءوا بغضب من الله. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} كيف يمكن أن يكون الكفر بآيات الله؟ أن يتحدث معك بآيات هي أعلام على حقائق، أنت في واقعك لا تؤمن بها، هذا كفر.
هل أن اليهود كفروا بالتوراة والإنجيل، وهم من يفتخرون بها، ويحملونها معهم أينما حلوا في بقاع الدنيا؟ ألم تكن التوراة مع اليهود في اليمن؟ ومع اليهود في المغرب، مع اليهود في العراق، مع اليهود في كل مكان؟ هل كانوا كافرين بالتوراة؟ لا، هم كفروا بحقائق التوراة، كفروا بالسنن الإلهية في التوراة، من حيث أنهم لم يعوها، لم يؤمنوا بها كحقائق لا بد أن تقع، وسنن لا بد أن تكون نافذة.
إذاً نحن هكذا، صفحة واحدة من القرآن، أليست مليئة بالحقائق؟ العرب كافرون بها، أليس العرب كافرين بها؟ كافرين بها كحقائق، وهم يتحركون بعيداً عنها، عندما تتحرك بعيداً عن حقيقة، يعني ماذا؟ خسرت أنت حقيقة هي في صالحك أنت، ماذا يعني؟ أنت غير مطمئن إليها، وأنت لا تعرفها، ولا تصدق بها في واقعك. الكفر كما قلنا لا يكون شيء يطلع هكذا قرون، أو شعر طوال، أو حاجة تتركز، هو في الداخل، واقع الرفض الذي تعيشه هو حالة الكفر بالحقيقة التي يؤكدها القرآن الكريم.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ}(آل عمران: من الآية112) يقتلون الأنبياء، سواء من قتل من أسلافهم الأنبياء، فانطلق هؤلاء على تأييد السلف الصالح، هكذا هم، اليهود المتأخرون في زمن النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) ومن بعدهم هم على مسيرة من يسمونهم هم: السلف الصالح لهم، وهم ذلك الخط الذي كان يقتل أنبياء الله، وكان يكذب بأنبياء الله، هم من تمسك بهم أهل الكتاب المتأخرون، فكان حكمُهم حكمَهم.
يقتلون أنبياء الله سواء من باشر القتل، ومن رضي بالقتل، ومن أحب، وتولى من قتل ورضي بالقتل، حكمهم واحد، ((إنما يعم الناس - كما قال الإمام علي - الرضا والسخط))، ((إنما يعم الناس الرضا والسخط {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} وإنما عقر ناقة صالح رجل فعمهم الله بعقاب من عنده؛ لأنهم رضوا بفعله)).
{وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} أنبياء بني إسرائيل، لماذا ليس في هذه الأمة أنبياء بعد محمد (صلوات الله عليه وعلى آله) كما كان في بني إسرائيل أنبياء بعد موسى، يتحركون في إطار الشريعة التي جاء بها موسى (صلوات الله عليه)؟ لأن رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) جعل خيار أهل بيته، جعل الكاملين من أهل بيته بمنزلة أنبياء بني إسرائيل في هذه الأمة، جعلهم في هذه الأمة بمنزلة أنبياء بني إسرائيل في بني إسرائيل، وإن لم يكونوا أنبياء؛ يأمرون بالقسط، يعملون على إقامة العدل، فما الذي حصل لهم؟ ألم يقتلوا؟ ألم يقتل علي؟ من قبل من؟ من قبل من يتولاهم العرب جيلاً بعد جيل، معاوية هو المتهم بترتيب عملية اغتيال الإمام علي (عليه السلام) اتهمه بهذا أبو الأسود الدؤلي في أبيات يرثِّي بها الإمام علياً (عليه السلام) وهو معاصر للحدث.
وقتلوا علياً وهو كان لا يزال حياً يوم كانوا يتثاقلون عنه، ويتباطئون عنه، حتى قال: ((اللهم إني قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني، فأبدلني بهم خيراً لي منهم، وأبدلهم بي شراً لهم مني)).
قتلوا قلبه وهو ما يزال ينبض: ((قاتلكم الله)) كان يقول هكذا: ((قاتلكم الله يا أهل العراق لقد ملئتم صدري قيحاً)) ثم قتل بالسيف، قتل فعلاً، واستشهد (صلوات الله عليه)، أليس هذا هو أول رجل بعد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) في هذه الأمة من القائمين بالقسط؟ ممن هم بمنزلة أنبياء بني إسرائيل؟.
ثم ماذا حصل؟ قتل الحسن أيضاً من قبل معاوية، وأيده هؤلاء الذين يتحركون في المحاريب، يدعون الناس إلى تولي معاوية، من يقولون: ذلك هو السلف الصالح، فلنمش على سيرة السلف الصالح! وقتلوا الحسين، وقتلوا زيداً، وقتلوا عبد الله بن الحسن، ومحمد بن عبد الله، ويحيى بن عبد الله، وإبراهيم بن عبد الله، وقتلوا فلان، وفلان..، كم! أئمة أهل البيت جيلاً بعد جيل قتلوهم، وشردوهم، وهؤلاء لا زالوا متمسكين بمن قتلهم، يتولونهم، ويسيرون على طريقتهم، ثم يتولون من يتولونه، من بني العباس، من بني أمية، أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعمرو بن العاص، ومعاوية، وعائشة، وكل من تحرك في الحيلولة دون أن يقوم من هم في هذه الأمة بمنزلة أنبياء بني إسرائيل، دون أن يقوموا يأمرون بالقسط في الناس، ويعملون على إعلاء كلمة الله، ويقودون الأمة إلى حيث تؤدي مسؤوليتها، إلى حيث تحظى بالشرف، والرفعة، والمكانة التي وهبها الله سبحانه وتعالى لها إن قبلتها.
إذاً هذه واحدة، أليست هذه واحدة؟ كانت هذه الأمة فيها كبني إسرائيل، مما يعني أنها أصبحت تسير في طريق ضرب الذلة والمسكنة، وأن تبوء بغضب من الله.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} واحدة هذه حصلت، {وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} من الذي يستطيع أن يقول في علي بن أبي طالب أنه كان يستحق أن يقتل؟ في الحسن يستحق أن يقتل؟ في الحسين يستحق أن يقتل؟ ماذا عمل؟ ماذا عمل علي (عليه السلام) حتى تخرج عائشة، وتقود ثلاثين ألف جندي لمقاتلة الإمام علي (عليه السلام) ماذا صنع بها علي؟ لاشيء، بغير حق.
يعني: ليس هناك ما يمكن أن يكون في الصورة مبرراً ليأتي هؤلاء الذين يتولون عائشة، ويرفعونها فوق سيدة نساء العالمين، فوق فاطمة الزهراء، وفوق خديجة، يأتون بمبرر حقيقي لعائشة في خروجها تقاتل الإمام علياً (عليه السلام) وتفسد دولة الإسلام، وتدعو الأمة إلى حربه، ما هو المبرر؟ لا شيء، بغير حق، كما قال هنا.
وهكذا أهل العراق عندما لقيوا الحسين وقتلوه، لماذا؟ بغير حق، هل كان يزحف عليهم بجيش جرار، يخافون أن يجتاح مدنهم، وقراهم؟ أم أنه كان مسافراً إلى الكوفة مع مجموعة من النساء والأطفال، مسافراً، يسافر وليس يقود جيشاً، في نفس الوقت, هو مطمئن بأنهم سيصدقون عندما قالوا: [أقدم علينا يا ابن رسول الله فقد أينعت الثمار وقد ظلمنا، وقد، وقد.. الخ] انطلق مسافراً معه نساؤه، وأطفاله، ومجموعة من خدمه، وأعوانه، ثم يلقونه فيقتلونه، بغير حق.
الإمام الحسن قبله قتل، بغير حق، هو بالطبع ليس هناك نبي، أو ولي صالح سيقتل بحق، ليس هذا حاصل، لكن معناه أنه حتى ولا مبرر ظاهري، ولا مبرر ظاهري، هذا هو ماذا؟ باطل الباطل، أوضح الباطل؛ لأنه فعلاً هل يمكن أن يقتل مثل علي بحق؟ لا، هل يقتل نبي من أنبياء الله بحق؟ عندما يقول: بغير حق، يعني: ليس هناك حتى ما يبرر قتله لكم، ولو من منطلق غير صحيح، ولو إعلامياً، أي لا تستطيعوا أن تقولوا كلمة واحدة تصنعونها تبرر في الظاهر، في الصورة أمام البسطاء من الناس قتلكم له.
قتلوا الحسن, نفس الشيء، بغير حق، انتهت الحرب، وتفرق عنه جيشه، اضطر إلى أن يأخذ ما يمكن من الشروط والعهود لأمنهم، وأمن أعراضهم، وبيوتهم، ومعاوية قد أصبح هو الذي اجتاح المنطقة، والمهيمن، عندما تفرق عن الإمام الحسن جيشه، وأنصاره، بعد ذلك كله، وقد قعد في بيته يدس معاوية السم له ليقتله، بغير حق، أليس هذا الذي حصل؟ وهكذا امش إلى آخر الأحداث، التي مرت على أهل البيت، زيد نفسه قتل من غير مبرر، دعوته ظاهرة، والمجتمع يعرف ما وصل إليه، إذاً فلماذا يقتل؟ كلها بغير حق.
وسيظل العرب هكذا، وسيظل زعماء العرب يعملون على قتل من يتحرك ليأمر بالقسط من الناس، ولكن ربما ستصبح المسألة أسوأ وأسوأ بكثير، أن يصل بهم اليهود إلى أن يصنعوا المبرر الظاهري للبسطاء، وللمغفلين من الناس، فيقتلوا ذا، وذاك، بحجة ماذا؟ إرهابي، أليس هذا بحق في الصورة؟ هذا من مظاهر الكفر بعد إيمانكم {يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ}(آل عمران: من الآية100) فتصل بكم الحال إلى أن تنطقوا أنتم بالمبرر غير الشرعي، وغير الواقعي لقتل من يأمر بالقسط من الناس، من يتحرك ضد اليهود والنصارى، فتقولون: إرهابي {نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ}(المائدة: من الآية52) [ويكلف علينا] ويضرب مصالحنا، إذاً يقتل، إذاً يشرد، إذاً يسجن! وهكذا.
يصبح الناس أسوأ، أسوأ مما عجز عن أن يقوله بنوا إسرائيل أنفسهم حينما كانوا لا يستطيعون أن يأتوا بمبرر ظاهري لقتل نبي من أنبيائهم، أو ولي من أ وليائهم، وحينما كانت هذه الأمة من يتولون أولئك الذين قتلوا من قاموا بالقسط من أهل البيت، لم يستطيعوا أن يأتوا بمبرر منطقي، مبرر يعني: كلامي، كلامي هكذا في الصورة، أمام البسطاء.
[لكن اليهود] قد يصلون بالناس، قد يصل الناس إلى درجة أنهم ينطقون بالمبررات الوهمية، ويتشبثون بها، أليس هذا يدل على أن الأمة قد وصلت إلى ضلال رهيب جداً، حتى أصبحت تبحث عن مبررات ترددها على أفواهها، وعلى مسامع بعضها بعض؛ ليقتل الزعماء من يأمرون بالقسط من الناس، أو يشردونهم، أو يسجنونهم، تحت عنوان: إرهابي، سيضرب مصالحنا؛ لأنه قد أصبحت مصالحنا الوهمية، مصالح وهمية هي المقياس، هي المعيار الذي يجعلنا نقف مع هذا، أو مع هذا، والذي يجعلنا في الواقع - وهي مصالح وهمية، وكلها كلام - يجعلنا في الأخير لا نعدُّ أيَّ قائم بالقسط من الناس ذو قيمة إذا كان سيتعارض معها، ولو كان محمد بن عبد الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، أو علي بن أبي طالب، أو الأئمة من أهل البيت.
ونفس الشيء أن يكون واقع الناس على هذا النحو، وإن لم يكونوا يباشرون قتل نبي ماداموا متولين لمن قتل الأنبياء، هذا بالنسبة لبني إسرائيل، لما كانت نفس الروح السيئة الخبيثة ما تزال قائمة لديهم، ألم يتآمروا هم على قتل النبي (صلوات الله عليه وعلى آله)؟ يعني: كان ما زال حالة قتل الأنبياء قائمة في نفوسهم، فتآمروا، وحاولوا أن يقتلوا النبي (صلوات الله عليه وعلى آله) بالحجر، وهو يتظلل قرب بيت من بيوتهم، وحاولوا أن يدسوا السم لرسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله).
[هذه الحالة أليست عند العرب الآن؟ أليس زعماء العرب الآن] مستعدين أن يقتلوا من يأمر بالقسط من الناس، أليس كذلك؟ لو قام عالم من العلماء ماذا سيعملون؟ يعملون على أن يقتلوه، ألم يعملوا على أن يقتلوا بدر الدين، ويغتالوه في بيته وهو إنما حمل لقب نائب رئيس حزب الحق، وتحرك لإحياء هذا الحزب، ولجمع كلمة الناس تحته؟ حزب، من أجل أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقوم بالقسط من الناس، ويتحرك أيضاً في إطار دستور وقانون كبقية الأحزاب، ألم ينطلقوا ليعملوا على اغتياله بصاروخ يوجهونه إلى نفس المكان الذي ينام فيه؟ وضربوا بيته أيضاً بالبوازيك فيما بعد؟.
إذاً هذه الحالة التي هي تجعلهم على ما كان عليه بنو إسرائيل لا تزال حالة قائمة لديهم جميعاً، لدى مختلف زعماء العرب، ولدى الشعوب نفسها التي ألفت أن تؤيد أيَّ زعيم لها، في أي موقف كان، ومن يقول لنا بكلمة من هذا التلفزيون، أو من هذه المحطة الإذاعية تصنع مبرراً وهمياً، فنحن سنردده، ونؤيد، ونبارك! ألم يباركوا قتل الحجاج؟ وهم كانوا إنما كانوا يتحركون بكلمات: [الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل] هي عمل بسيط في إطار إقامة القسط في هذه الأمة، وإعادة رفعتها، وشرفها، فقتلوهم، فانطلق علماء من هنا، وهناك يقولون: لم تعمل المملكة العربية السعودية إلا ما يجب عليها، وإن على بقية الحكومات العربية أن تقف معها! سمعنا هذياناً من هذا النوع، أليست هذه هي حالة قائمة؟.
إذاً هي نفسها، هي نفسها الحالة التي كانت عند بني إسرائيل، وما زالت، فجعلتهم جديرين بأن يبوءوا بغضب من الله، وأن يضرب عليهم الذلة، والمسكنة. أليست هذه ظاهرة في العرب الآن: الذلة والمسكنة؟ لأنهم كفروا بآيات الله، وقتلوا من يأمرون بالقسط من الناس، مَن هم بمنزلة أنبياء بني إسرائيل في هذه الأمة، بغير حق.
{ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}(البقرة: من الآية61) ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، فمن عصى، واعتدى على هذا النحو فسيكون جديراً بأن يضرب بالذلة، والمسكنة، ويبوء بغضب من الله.
إذاً وجدنا في مجموعة آيات من آيات الله، كم فيها من الهداية! كم فيها من التذكير! كم فيها من الحقائق! حقائق في إطار العلو، والرفعة لهذه الأمة، وحقائق في إطار الهبوط، والخسة، والذلة لهذه الأمة، وكيف رُسمت لها الطريق، وكيف أخبر الله بأنه هو سيتولى قيادة الموقف معها، {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}(آل عمران: من الآية109)، يذكر بأنه سيهيئ، سيهيئ، وهو من له ما في السموات، وما في الأرض، وله جنود السموات والأرض.
كأنه يشعر هذه الأمة بأنه سيحشد معها ما يملك، يحشد معها ملكه، وعالمه، يحشد معها تأييده ونصره؛ لنرى في الأخير كيف ضعف إيمان أولئك، كيف قلة وعيهم، كيف عدم ثقتهم بالله سبحانه وتعالى، عندما لا يلتفتون إلى القرآن الكريم؛ ليهتدوا به في مقام المواجهة مع إسرائيل، وأمريكا، مع اليهود والنصارى.
لنرى في الأخير كيف تكون مسؤولية كبرى على علماء الأمة، على علمائنا أيضاً، عندما لا ينطلقون أن يذكروا الناس، ويثقفوا الناس، ويرشدوهم، ويهدوهم بالقرآن الكريم، ويبينوا لهم حقائق القرآن الكريم. ما الذي يمنع؟ ما الذي يخيف؟ لا شيء إطلاقاً يشكل خطورة على الناس أعظم من خطورة العواقب التي رسمها الله أمامنا في آياته على التفريط، والتواني، والتقصير، وبعدم الثقة به، والرجوع إليه، إلا متى ما أحسينا بحاجة، متى ما أحس واحد [بجيبه فاضي]، وجاء قليل جدب [اللهم إنا نسألك، اللهم اسقنا، اللهم، اللهم..] نرجع إلى الله، فمتى ما سقانا الله، وأصبح لدينا نعمة، لا نعد نفكر في شيء آخر.
ثم يبين في هذه الآيات أن ما يقوله الله سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل، أن ما يقوله عنهم هو كلام موضوعي، حقائق عادلة، هو لم يتجن على اليهود؛ ليقول لنا نحن: أن ننظر إلى قضية أهل الكتاب في القرآن بنظرة موضوعية، نظرة نأخذ منها الدرس، نأخذ منها العبرة، وليس فقط نأخذ من مجملها، ونخرج من أولها إلى آخرها، نخرج بمجرد اللعنة لليهود فقط، نقول: لاحظوا كيف لعنهم الله في القرآن، لاحظوا كيف كذا.. وبس، خذ عبرة؛ لأنه وهو يتحدث عن بني إسرائيل؛ هو ليضرب مثلاً لهذه الأمة، أنه يمكن أن يحكم عليها بما حكم على بني إسرائيل، وأن تذوق على يديه ما ذاقه بنوا إسرائيل، إذا ما سلكوا طريقة بني إسرائيل.
وليقول لأولئك الذين فضلهم الله واختارهم أيضاً، وأوجب على الأمة محبتهم، فأصبحوا يغضبون إذا ما قيل: هذا شخص لا يحبنا، إذا ما قيل هذا ناصبي، إذا ما قيل كذا.. اغضبوا على أنفسكم أولاً، أن تقصروا، أن تفرطوا، أنتم معرَّضون لما تعرض له بنوا إسرائيل، الذين قد اختارهم الله من قبلكم، وفضلهم على العالمين من قبلكم، فأصبحوا: ضربت عليهم الذلة، والمسكنة، وأصبحوا من باءوا بغضب من الله، وهم أبناء نبيه إبراهيم، أبناء خليله {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}(النساء: من الآية125) هم أبناؤه، هم صفوته {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ}(آل عمران: من الآية33- 34).
ألم يصطفيهم الله؟ لماذا ضرب عليهم الذلة والمسكنة؟ الله لا يتعامل مع أوليائه هكذا؛ لأنه قد أصبح لم يعد بحاجة إليهم، كما تتعامل أمريكا مع عملائها، وكما تتعامل إسرائيل مع عملائها، لم يعد بحاجة إليهم فيرفضهم، ويبحث عن عميل آخر، لا، سننه ثابتة، متى ما كنت تسير على سنته، وستتغير، وتدخل في سنة أخرى متى ما تغيرت أنت؛ لأنه قال هنا: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}(آل عمران: من الآية112) عندما يحصل عصيان، عندما يحصل تفريط، وماذا حصل عصيان فيهم، حصل عصيان في الجانب الذي يتعارض مع مسؤوليتهم، أصبحت معصيتهم من النوع الذي يتنافى مع ما يراد منهم، كما قال سابقاً في هذه الآيات التي تلوناها سابقاً: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ}(آل عمران: من الآية99). ماذا يعني؟ أليس هذا مما يتنافى مع مسؤوليتكم، ومع ما يراد منكم؟ الصد عن سبيل الله من آمن به، وتبغونها عوجاً، وأنتم، أنتم شهداء على الناس، شهداء تدعون الناس إلى الإستقامة.
إن من واجبكم أن تكونوا أول من يؤمن بمحمد، أول من يؤمن بالقرآن، أول من ينطلق تحت راية نبي من أنبياء الله، فلله الحق أن يختار نبياً من هنا، أو من هنا، فتنطلقون تحت راية محمد، كما انطلقتم تحت راية موسى وعيسى، وغيرهم من أنبياء الله، من بني إسرائيل، فكيف تتحولون إلى هذا التحول الذي يتنافى مع مسؤوليتكم، ومع ما أنيط بكم {وَأَنْتُمْ شُهَدَاءَ} كذلك يقال للعرب، كذلك يقال لأهل البيت، كذلك يقال لشيعة أهل البيت، {لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ} لم تفرطون، لم تقصرون، لم تعملون الأعمال التي تتنافى مع ما أراد الله منكم، تتنافى مع ما أنيط بكم من مسؤولية بأن تكونوا أنتم الشهداء على الناس؟.
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} فيكون هو الهم الذي يريدونه من هذه الآية، وكل المعنى الذي يريدونه أن يقولوا: بأن هذه شهادة للصحابة بأنهم عدول؛ لأن كلمة وسط تأتي في اللغة العربية بمعنى: العدل، إذاً فهم عدول!.
هكذا تمسخ الآيات، إذا كنا نبحث عن فضيلة لشخص هنا، أو هناك، لا يهمنا أكثر من ذلك، لا يهمنا أكثر من مجرد أن نكون مهتمين بالصحابة، ونبحث عن فضائل للصحابة، ومتى رأينا [خطفة] آية حاولنا أن نحولها كلها للصحابة، ثم ننسى ما حولها من أشياء مهمة.
ليقول في الأخير: أن حديثه عن بني إسرائيل في القرآن الكريم هو حديث موضوعي، ومنطقي، هو للعبرة، لأخذ الدرس، وليس للتحامل عليهم، وليقول: أن ما جرى عليهم سيجري عليكم أنتم، فيتحدث بموضوعية، فيتحدث عن الجانب المشرق نحو فئة من بني إسرائيل {لَيْسُوا سَوَاءً}(آل عمران: من الآية113) هكذا يقول بعد هذه الآيات: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} ثم يقول: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} (آل عمران:113-115).
يقول: ليس الكلام كلام تحامل عليهم، هو حقائق فيها دروس، فيها عبر لكم أنتم، ما الذي يحصل الآن؟ نخرج من مجمل الكلام حول الآيات هذه التي نسمعها دائماً في أوساط من يتحدثون عن اليهود، من مجمل الآيات: أن الله غضب على اليهود، وأن الله لعنهم، وحصل عليهم غضب، وحصل عليهم لعنة، لكن هذا هو مجمل ما أخذوه من الآيات، لم نعد إلى الآيات؛ لنعرف ما فيها، ما فيها من حقائق، ما فيها من دروس، وأنها كلام موضوعي، أن الله ليس بمعرض فقط التحامل على فئة من خلقه.
لو كانت المسألة مسألة تحامل، أو كانوا غير جديرين بأن يصطفيهم لما اصطفاهم من قبل، لكن ليقول: أن من يصطفيهم إنما يصطفيهم ليؤدوا مسؤولية، ويقوموا بمهمة، إذا لم يؤدوها سيكونون هم من يستحقون أن يغضب عليهم أكثر مما يغضب على غيرهم.
فنأخذ منها الدرس، والعبرة، ولو كنا ننظر إلى القرآن الكريم من منطلق الثقة بالله، وبأنه كتاب هدى للعالمين، في كل مجالات العمل، والحياة؛ لأخذنا العبرة والدروس من داخل هذه الآيات، وهذا هو واجبنا؛ لأنها تساعدنا في هذا الزمن الأحداث، تساعدنا الأحداث، والحقائق المتجلية على أن نفهم القرآن بشكل أكبر، فإذا أعرضنا عن آيات الله في كتابه، وهي تتحدث عن حقائق، ولم نهتد بهذه الحقائق التي تقع في هذا الكون هنا وهناك {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}(الجاثـية: من الآية6). صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
[الله أكبر / الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل / اللعنة على اليهود / النصر للإسلام]

(3)
سورة آل عمران ــ الدرس (4)